استمع من أصحاب الخبرات

استمع … إلى الذين عانوا ثم نجوا بأنفسهم ” المشكلة المقسومة بين اثنين هي مشكلة نصف محلولة” . – مثل إنجليزي. منذ بضعة أيام كنت في متجر بقالة أقف في الصف لدفع الحساب، فإذا برجل يتجه نحوي، وكانت تبدو عليه أمارات الضيق ويرتجف من القلق. وقال لي:” لقد قرأت كتابك. إنني أعرفك، فلقد شاهدتك في التليفزيون” . فأومأت له برأسي. لقد كنا في المتجر المحلي وكان ذلك الرجل جاري، لذلك ابتسمت له، ليس فقط لأبين له أنني كنت مرحباً بوجوده ولكن كذلك لأجعله يهدأ. لم يكن الرجل يرتجف فعلياًّ وحسب، بل كان أشعث الشعر،

وبدا كأنه لم يحلق منذ أيام طويلة. قال الرجل:” إنني في حاجة إلى التحدث معك، فأنا على شفا النهاية، وقد سمعتك تتحدث أنك كنت تتصور في وقت ما أنك اقتربت من نهايتك” .
قلت له:” نعم، بالفعل. ولكن كيف يمكنني مساعدتك؟” . قلت له ذلك بينما كان الطابور يتحرك إلى الأمام. فقال وقد تحولت ملامح وجهه إلى تكشيرة كبيرة:” في الواقع، ليس بمقدور أحد مساعدتي” . كانت ملامحه تعكس غضباً شديداً- غضباً موجهاً إلى العالم بقدر ما هو موجه إليّ. فقلت متلعثماَ:” ماذا حدث ؟” ؛ وكنت آمل أن أجعله يستمر في الحديث بينما أحتضن حقيبة البقالة التي كان يحملها ناظراً تجاه باب الخروج. وكان على وشك الانصراف. ولكنه استدار وعاد أدراجه. شعرت بأنه شعر بالإحراج لمجرد تواجده في مكان عام يطلب مساعدة أي أحد، إلا أن غريزته كانت قوية حينما تعرف عليَّ باعتباري شخصاً نجح غير إرادي. ولكن بينما كان ينظر حوله بعينيه الحمراوين، تيقنت أنه كان يأمل في أن يهرب وينسى أمر هذا اللقاء نهائياًّ. قال الرجل:” لقد علمت مثلك لسنوات طويلة، ولكنني كنت أملك شركة خاصة بي. لقد بنيتها بنفسي” . هنالك سمعت نبرة فخر في صوته. لقد حقق ذلك الرجل شيئاً بالمقارنة بي؛ فكل ما فعلته أنا هو الحصول على وظيفة رفيعة المستوى من خلال علاقاتي، فأحد أصدقائي من أخوية (سكول أند بونز) قدم لي وظيفة في أكبر وكالة إعلانات في العالم. لقد انطلقت في حياتي العملية معولاً على عائلتي، وإرثي، ووضعي الاجتماعي. وكان بادياً أن نبرة ذلك الجار تشير ضمنياً إلى أنني خلال حياتي العملية كمدير تنفيذي كبير بشركة دعاية وإعلانات لم أكن سوى راكب مسترخ في قطار كبير. كان لديه كل الحق في ذلك، ولعله أصاب كبد الحقيقة في ظنه؛ فقيامك بتأسيس شركة بنفسك يتطلب اعتزازاً بالنفس وشجاعة لا يتطلبهما مجرد العمل لدى شركة. قال الرجل مسترسلاً في الحديث، بينما شابت صوته نبرة شكوى مزعجة:” ولكن مؤخراً، تلك البنوك الجشعة…” . ثم لم يكمل الجملة. كان الطابور يتحرك إلى الأمام، فخطوت خطوة إلى الأمام فتبعني هذه المرة. قال الرجل:” لقد تم الاحتيال عليّ، والشركة التي بنيتها على مدار سنوات عمري…” . ولم يستطع أن ينطق بالكلمات. وأخيراً قال:” لقد أفلست. وانتهت الشركة” . وبدأت الدموع تغرق عينيه. كنت أحس بما يعانيه من ألم. فحين تم فصلي من عملي، خرجت إلى الشارع منتحباً. إنني أعرف كم هو شيء مخيف أن تشعر بأن حياتك المهنية مهددة- خاصة لو كانت حياتك المهنية هو محور حياتك، كما كانت الحال معي فيما سبق. ونظرا لأنني قد خضت بنفسي تجربة فقدان الوظيفة الصادمة، كان بمقدوري أن أتعاطف مع موقفه. فيما مضى، كان من الممكن أن أقول في هذا الموقف:” إنه خطؤه” . ولكن الآن أصبحت لديَّ رؤية حقيقية أكثر تواضعاً للحياة، ففي كثير من الأحيان، قد تشبه الحياة حادث سيارة، حيث تصدمك سيارة يقودها سائق ثمل، فالخطأ هنا ليس خطأك، ولكن كل ما في الأمر أنه تصادف أن تكون متواجداً في المكان الخطأ في الوقت الخطأ. أعتقد أنه من الأفضل لنا جميعاً أن نتذكر الحكمة القديمة:” إنما تحملنا أقدامنا إلى حيث يشاء الله” .
لذلك أنصت إلى صديقي الجديد وأنا متعاطف معه بشدة، فقد مررت في حياتي بمثل ما يمر به هو الآن تقريباً. ” إنني أملك منزلاً كبيراً يقع أعلى التل” ، قالها وهو يلوح بقوة شديدة لدرجة أن يده اصطدمت بامرأة عابرة، فقفز الرجل متقهقراً إلى الخلف. قال لها، وهو في شدة الضيق لأن يده اصطدمت بها:” آسف جداً” . كان بمقدوري أن أشعر بأن وراء هذا التوتر كان يقبع رجل طيب، إلا أنه في ذلك الوقت كان قد بلغ مرحلة فقد معها القدرة على السيطرة على نفسه، فقد كانت حياته فوضوية، وكان شعره أشعث، وبدا عليه أنه غير قادر على التحكم في أطرافه. قال مستأنفاً حديثه:” إنني على وشك فقدان منزلي” . فخرجت من الطابور، وأخذته إلى ركن هادئ قريب من قسم الإنتاج. قال الرجل:” ماذا سأفعل؟” ، ولم يكن يبدو حينئذٍ أنه يسألني بقدر ما كان يسأل نفسه بتلك التمتمة المتألمة التي بدت من وراء أنفاسه. ثم استرسل قائلاً:” إن أبنائي يحبون هذا المنزل، فهو المنزل الوحيد الذي عرفوه. إذا خسرت منزلي وغادرنا هذا المكان…” . كان يرى المستقبل مرعباً بالنسبة له. ثم قال بصوت مرتفع جداً:” لقد انتهى كل شيء بالنسبة لي” ؛ ثم قال بنبرة أكثر حزناً وهدوءاً:” وكذلك بالنسبة لهم” . كنت أستمع إليه بانتباه، محاولاً استرجاع نفس ذلك الإحساس الذي أعرف أنني شعرت به منذ سنوات طويلة مضت؛ لقد مرت أكثر من عشر سنوات على فقداني لوظيفتي. استرسل الرجل قائلاً:” إن ابني جورج يبلغ من العمر 11 عاماً، وتبلغ ابنتي ” أليس خمس سنوات فقط. لن يسامحاني على ذلك أبداً ” .
فقلت له:” لقد قمت بإهداء كتابي لأبنائي لعقولهم المتفهمة” . كان يحملق في الفراغ، وكان واضحاً أنه لا ينصت لي. ففي تلك اللحظة، لم يكن مهتماً بما فعلته أو ما لم أفعله. ثم قال وهو يستعد للانصراف:” إنني أفكر في إنهاء الأمر برمته” . هنالك أدار ظهره لينصرف. فقلت له في إلحاح:” اسمع، لا أعتقد أن أطفالك سوف يلقون بالاً لكونك مفلساً، ولكنهم بالتأكيد يريدون أن يكون والدهم متواجداً معهم” . ولكنه حينئذٍ كان يتجه إلى باب الخروج، فصحت طالباً منه التراجع، قائلاً:” ألا تظن أن أبناءك سيفقدونك؟” . لم أكن لأدعه يذهب وهو في هذه الحال. تذكرت في هذا الموقف أنني- في موقف رهيب فيما مضى- لم أستطع أن أفعل شيئاً لأوقف رجلاً كان أيضاً يرتجف من القلق وكان من الواضح أنه على حافة النهاية. فقد كنت أعمل لوقت متأخر في إعداد عرض تقديمي كبير لشركة فورد. كنت وقتها في أوائل الثلاثينات وكنت مرشحاً لتوي لمنصب مدير التصميم. كنت أعرف أنني سوف أخضع للاختبار، لذا كنت أرغب في أن أكون مستعداً، وفي ذلك الوقت كانت ” فورد” ترغب في القيام بما كانوا يطلقون عليه:” إغراق السوق بالسيارات” . وكنت أعمل باجتهاد لضمان الانتهاء من كل الإعلانات في الوقت الذي دلف فيه ” بوب نورث” إلى مكتبي. وكنت أعرف أن ” بوب” يعاني من مشكلة. كان بوب وكيل حسابات؛ وكان ذكياً جداً إلا أنه خجول، فقد كان يجد صعوبة في التعبير عن رأيه، وكانت ” فورد” تحب الرجال المتفاخرين الأشداء، وقت رأيت بنفسي ممثل شركة فورد يهنيه في الاجتماعات. ولكنني- أنا أيضاً- كنت أرى أن ” بوب” كبير جداً على الوظيفة التي يعمل فيها، فقد كان في الأربعين من عمره، كما أن الشيب كان قد بدأ يغزو شعره الأشقر.
كنت أعتقد أن ” بوب” ينبغي أن يكون مدير حسابات- ويكون لقبه الوظيفي نائب رئيس لشئون إدارة الحسابات على الأقل –وليس موظفاً تنفيذياًّ بسيطاً، أو واحد من هؤلاء الكثيرين الذين يتزاحمون للعيش على صفقات فورد الضخمة. لقد فوجئت برؤيته في وقت متأخر من الليل في الشركة، ونظراً لأن الأشخاص العباقرة لا ينفقون الكثير من الوقت في الحديث مع التنفيذيين، فلم أرحب بهذا التطفل. لقد كنت مشغولاً جداً بإعداد عرض تقديمي جيد، مما كان يصيبني بالقلق الشديد، لذا لم أكن أرغب في أية مقاطعات، وخاصة من موظف تنفيذي. قال” بوب” :” مايك، هلا استأذنتك في دقيقة من وقتك؟” . نظرت إلى أعلى وأنا أشعر بالإرهاق والإجهاد الشديدين، فرأيت أمامي شخصاً هيئته تفيض بالقلق، لقد شعرت وكأن قلقه هذا مرض لم أكن أرغب في التقاطه، فقد يكون خوفه وضعفه مرضين معديين- أو على الأقل تشتيتاً كبيراً لي- وكان لا يزال أمامي الكثير من العمل. فقلت له:” في الواقع، لا، ليس لديَّ وقت” ، وهو رد أعتبره اليوم فظاظة شنيعة؛ ثم استطردت قائلاً:” ولكن، ماذا لديك؟” . اتخذ” بوب” خطوة مترددة أو خطوتين تجاه مكتبي.
كان يبدو أن هموم العالم كلها قد اجتمعت على كاهليه فتقوسا. لقد كان طوله ست أقدام وبوصتين، فشركة فورد كانت تحب الموظفين التنفيذيين طوال القادمة، ولكن” بوب” كان نحيفاً جداً. والآن هو محني الظهرـ، تكاد كتفاه تسقطان على صدره النحيف. قال ” بوب” بصوت خافت ومرتعش:” إنني فقط أرغب في أن أطرح عليك بضع أفكار” . فسألته قائلاً:” بأي شأن؟” . فقال:” إن لديَّ فكرة بشأن إستراتيجية جديدة لسيارات الموستنج” . فقلت بقوة، وقد تصاعد غضبي واتخذت موقفاً دفاعياً، وتأهبت للتصدي بقوة لأي تطفل من قبل موظفين تنفيذيين من هذا القبيل، قلت: ” بوب، ليس لديَّ وقت لهذا !” . لقد صممت حملة كاملة استناداً إلى إستراتيجية قدمها لي ” بوب” وفريق الإدارة قبل أسابيع، وقد صممت مع فريقي الكثير من الإعلانات لهذه الاستراتيجية، ولم أكن أرغب في تغيير أي شيء قبل أيام من العرض التقديمي الرئيسي. قال ” بوب” ويداه ترتعشان وهو يحاول الإمساك بمجموعة من أوراق الاستراتيجيات بإحكام:” حسناً، لقد اعتقدت فقط أننا يمكن أن نفكر معاً ونصل إلى شيء مختلف” . لقد أدركت وأنا أعود بذاكرتي إلى تلكم الليلة الحزينة أن ” بوب” كان فقط يحاول العثور على إنسان آخر يتحدث معه. لقد كان بحاجة إلى استراحة من توتره وقلقه. لقد أدركت الآن أنه كان يستخدم هذه الاستراتيجية الجديدة كمبرر لمحاولة قضاء بعض الوقت معي لأنه كان يعتقد أنني قد أكون متعاطفاً معه- ليس فقط لأنه كان موظفاً تنفيذياً ولكن لأنه كان إنساناً يعاني. لقد كان ” بوب” مخطئاً في فكرته عنى تلك الليلة. فلم يكن في قلبي مكان للتعاطف تلك الليلة. أنا أعرف أن ” بوب” لم يكن محظوظاً إلى حد كبير في شركة فورد؛ ومتيقن تماماً أن باقي أعضاء فريقه قد نبذوا أفكاره وحين أصابه الإحباط التام أتى لي باعتباري شاباًّ متفتحاً ومبدعاً. إلا أن طلبه بشأن ” التفكير” في تلك الليلة كان آخر شيء كنت أود القيام به. فقلت له وأنا لا أبذل جهداً في محاولة إخفاء سخطي:” هل هناك شيء مختلف؟ إن لدينا عرضاً تقديمياًّ يوم الاثنين، ونحن في ليلة يوم الخميس، هل أنت مجنون؟!” .
وبعد ذلك، عدت إلى مكتبي آملاً أن يغادر ” بوب” غرفة مكتبي. قال” بوب” وهو لايزال راغباً في التحدث:” أنا أعرف؛ ولكن كل ما في الأمر أنني أفكر في أننا نستطيع أن نقدم سيارة الموستنج كسيارة اقتصادية بدلاً من كونها مجرد سيارة رياضية” . فصرخت فيه من هول مفاجأتي من مجرد تفكيره في مثل هذا الانحراف المهول عما خططنا له، فقلت له بالحرف:” بوب، أنت مجنون. الموستنج مرحة، بينما السيارات الاقتصادية مملة” . فيئس مني ” بوب” وتراجع إلى الردهة. ونظراً لكوني مجهداً، امتعضت من تطفله عليَّ بدلاً من أن أنظر إليه على أنه بشر كان يشعر –لأي سبب كان- بالألم. وفي ذلك السبت كنت أعمل في مكتبي مع فريق الإبداع ( وكنت في تلك الأيام أعمل في معظم عطلات الأسبوع) عندما حضر المدير إلى طابق إدارة الإبداع، ولم يكن ذلك معتاداً، حيث إنه كان يفضل أن يبقى في مكتبه وان يرسل لنا لنحضر إليه. قال المدير:” مايك، اجمع فريقك، فسوف نلتقي معاً في حجرة المؤتمرات الخاصة بإدارة التصميمات المبتكرة”. فاعتقد لوهلة أنه سيكون هناك تغيير في موعد العرض التقديمي الخاص بشركة فورد. فقلت له، وأنا لا أزال قلقاً إلى درجة أنني لم أستطع العودة إلى العمل أخرى: ” ماذا هناك؟” .
وكان باقي أفراد الفريق واقفين، ولم يكن أي منهم راغباً في الجلوس بينما لا يزال أمامنا كل تلك النماذج التي علينا تصميمها والإعلانات التي علينا إعدادها قبل يوم الاثنين. فقال المدير: ” إنني فقط أرغب في أن أخبركم لأنكم جميعاً عملتم مع وذلك الشخص الذي سأتحدث عنه: لقد انتحر بوب نورث الليلة الماضية” . فتمتمت بحماقة: ” ماذا” . وكان علىَّ حينها أن أجلس. فتساءل أحدهم قائلاً: ” لماذا؟”. فقال المدير: ” إن زوجته تقول: إن حالته النفسية لم تكن بخير لشهور” . فقلت: ” حالته النفسية؟”. فقال المدير في هدوء: ” لقد قالت زوجته: إنه كان متوتراً. إنها قصة مأساوية حقاً” . ثم استطرد مديري وقد اشتدت نبرته قائلاً: ” ولكنني فقط لا أعرف ما الذي تعنيه زوجته بكلمة متوتر” . ثم نظر حوله في أرجاء الغرفة. ثم قال وقد بدا غضبه: ” إننا جميعاً مضغوطون ومتوترون، ولكننا لن ننتحر وقبل أيام من أحد أهم العروض التقديمية” ؛ ثم أنهى كلامه قائلاً: ” سوف نعرف المزيد لاحقاً. والآن لنعد إلى العمل!” وهذا بالضبط ما حدث. ولم أزعج نفسي أبداً في محاولة اكتشاف المزيد مما حدث ل ” بوب” . والآن، وأنا أنظر إلى تلك الأحداث، يمكنني أن أرى أنني لم أكن إلا شخصاً آخر ممن لم يقدموا ل ” بوب” ما كان يريد من أجل العدول عن الانتحار. لقد كنت عرضة لضغوط كبيرة ولم أكن قادراً على رؤية ما وراء ذاتي الأنانية كي أمد يد المساعدة لشخص كان يحتاج إلى المساعدة. وتذكرت في تلك اللحظة شخصاً استمع لي حينما كنت في حاجة إلى من يستمع إلىَّ. لقد كان ” كيفن باكلي” صديقاً لي منذ تلك الأيام الرائعة التي قضيتها في جامعة ييل، وأتذكر حينما كنت أفتح زجاجة شراب ضخمة وأنا متلهف للشرب منها أن حدث وسقطت الزجاجة الضخمة على قدم ” كيفن” . وكان ” كيفن” يقطن بنفس مبنى سكن الطلاب الذي كنت أقطن فيه. وقد مررت على حجرته متأخراً في اليوم التالي لذلك الحادث فقد كنت أستيقظ متأخراً في ييل- ورأيت قدمه مضمدة ومرفوعة فوق فراشه.
فقلت له: ” كيفن؟” . فقال: ” نعم، جيتس” . فقلت: ” هل أنا من تسبب في ذلك؟” . فقال: ” نعم، لقد كسرت إصبع قدمي” . فدلفت إلى الحجرة، وقلت: ” أنا آسف” . فقال: ” لا عليك. إن مكوثي هنا سيضطرني إلى الانتهاء من عملي” . لقد أنجز ” كيفن” عمله. وعلى عكس تماماً، فقد عمل جاهداً للنجاح في ييل: وعلى عكسي تماماً، لم يكن غنياً؛ وعلى عكس تماماً، لم يتعامل مع ييل على أنها فرصة لعيش حياة صاخبة. وبالإضافة إلى عمله الأكاديمي، اجتهد ” كيفن” أيضاً وأصبح مراسلاً ثم مدير تحرير في وقت لاحق في صحيفة ييل ديلي نيوز، والتي كانت أحد أكثر الوظائف صعوبة وإرهاقاً في الحرم الجامعي. وبعد الجامعة اتجه ” كيفن” على الفور إلى أعلى المناصب في مهنته، فقد أصبح مسئول مكتب النيوزويك في فيتنام خلال فترة عصر نجوم المراسلين مثل ” ديفيد هالبرستام” . وبعد ذلك، عمل أيضاً في لندن ونيويورك كمراسل ومحرر، وقد منح زمالة نيمان في هارفارد، وهي أعظم تكريم في مجال الصحافة. وقد ظللنا أنا و” كيفن” أصدقاء حتى بعد أن أنهينا سنوات الدراسة في الجامعة. وعندما كنت أمر بذلك الوقت العصيب من حياتي، تصادف أن اتصل بي ” كيفن” فقط ليسألني عن حالي، واتفقنا حينها على تناول الغداء معاً. وأخبرني ” كيفن” أنه يكتب ويدرس في جامعة كولومبيا. وكنت محرجاً حينها من أن أخبر ” كيفن” عن مدى الانحدار الذي وصلت إليه حالي بعد فترة الشباب الذهبية التي عشتها أيام الجامعة. ولكن نظراً لاهتمامه الذي شعرت به، قررت أن أثق فيه وأن أخبره بالحقيقة، وهي أنني قد أفلست تماماً، وأجاهد من أجل العثور على وظيفة، وأنني تورطت في خيانة زوجية ثم طلاق واكتشفت مؤخراً أنني أعاني من ورم في المخ. لقد كان ” كيفن” يعرفني حينما كنت طالباً جامعياً ثرياً ومسرفاً، أنعم الله عليه بحياة سعيدة بدت كأنها ستستمر للأبد. بينما كنت أسرد عليه معاناتي، فاض وجهه بالتعاطف. لقد استمع لي لساعات بينما كنت أخبره بحقيقة كل ما مررت به. وبعد الغداء، عانقني ” كيفن” ووعدني بالاستمرار في التواصل معي ومحاولة مساعدتي، وإنني أعرف أنه صادق فيما قال. في بعض الأحيان يمكنك أن تشعر بأن الشخص الذي أمامك يهتم بك بحق من مجرد استماعه لك، وأنا كنت أعرف أن ” كيفن” كان مهتماً بي بحق، فقد ظل مخلصاً لصداقتنا التي ولدت في تلك المرحلة الطائشة منذ سنوات طويلة. لقد أدركت حقيقة مهمة، ألا وهي أنه على الرغم من كل ما حدث وغير حياتي، فإن ” كيفن” ظل صديقي. ومجرد الحصول على فرصة لإخباره- أو إخبار أي شخص -بحقيقة ما كنت أمر به كان بمثابة نجدة بالنسبة لي. لقد حاولت أن أخبر صديقاً قديماً آخر من ييل بحالتي البائسة وشعوري بالفشل؛ فتناولنا مشروبين في النادي الخاص به! ثم تركني على الرصيف ملوحاً لي بيده في سرعة. وانتابني حينها شعور قوي بأنه لا يرغب في سماع أي شيء عني مرة أخرى. بالنسبة لذلك ” الصديق” القديم كان الأمر يبدو و كأن فشلي على المستوى المالي والشخصي من الممكن أن يكون معدياً، أو كأنه نوع من المرض الاجتماعي. وفي الواقع، كان هذا هو الشعور الذي شعرت به، لذا لم ألمه. فاحتفظت بسر فشلي لنفسي وأخبرت نفسي أن أفضل شيء هو أن أظهر للدنيا كلها وجهاً شجاعاً حتى أمام أصدقائي القدامى. ولكن ” كيفن” كان مختلفاً، حيث إنه لم يختف بعد أن فتحت له قلبي وأخبرته بمعاناتي. لقد ساعدني ” كيفن” من خلال البحث لي عن وظيفة في مجال الدعاية والإعلان. لقد قام باتصالات مع أشخاص يعرفهم في مجال النشر لمحاولة تقديمي لهم، ولكن جهوده باءت بالفشل. ومرة أخرى، أعتقد أنني لم أكن الشخص الذي يرغب أحد في تعيينه تصميم حملة إعلانات العلكة الفقاعية الجديدة. ولكن ” كيفن” حاول، ومجرد جهده هذا جعلني أشعر بالامتنان. لقد كان يتصل بي على الأقل مرة في الأسبوع ليسأل عني، وكان يكتب لي رسائل بريد إلكتروني يختمها بعبارة ” مع خالص حب” . لقد أظهر ” كيفن” بالقول والفعل أنه لن يتخلى عني على الرغم من التغير الكبير في ظروفي. لقد استمع لي، ومجرد سماعه لي بصبر وتعاطف شديدين، ساعدني على اجتياز فترة كنت قد فقدت فيها ثقتي. لقد أقسمت في تلك اللحظة في محل البقالة أنني سأكون مثل ” كيفن” ولن أدع شخصاً آخر -يرتعد أيضاً من القلق وهو في حاجة واضحة لشخص يستمع إلى مشاكله -ينصرف دون أن أمد له يد العون. ولم أكن أنوي أن أكون مشغولاً جداً -أو مهذباً جداً- فلا أساعد ذلك الشخص في محل البقالة، فصحت فيه مرة أخرى ليتذكر أبناءه. فصرخت فيه لدى انسحابه قائلاً: ” ألن يفتقدك أبناؤك؟” . فتوقف. وكان بإمكاني أن أرى أنه ينكر مرة أخرى في هذه الفكرة ربما للمرة الأولى، واستدار ليواجهني. وقال: نعم، أعتقد أن أبنائي سوف يفتقدونني، فهم يشعرون بالضيق حينما أتغيب عنهم يومين في رحلة عمل” . فتلت له: ” إن أحد الأخطاء التي ارتكبتها هي أنني لم أتحدث إلى أبنائي عندما أفسدت حياتي” . فقال: ” قل لي، ما الذي يمكنني أن أخبرهم به؟ هل أقول لهم: إن والدهم قد دمر حياته وأن عليهم ترك البيت الذي نشأوا فيه؟” . فقلت له موضحاً: ” إن ما اكتشفته هو أن أبنائي كانوا أكثر حكمة فيما يتعلق بأمور الحياة مني. كما أنهم قدروا مصارحتي لهم بما فعلت. كيف هي علاقتك بزوجتك؟” . فقال: ” إن زوجتي رائعة. إنها تقول لي: إن كل شيء سيصبح على ما يرام وإنها تحبني وكل هذا الهراء” . قلت متعجباً ” هراء؟” . فقال: ” إن ” دوريس” غير مدركة للأمر. لقد أخبرتها بأننا قد أفلسنا وأن علينا ترك المنزل والبدء من جديد من الصفر” ، وهنا رمقني بنظرة سريعة واستطرد قائلاً: ” ولكنها قالت لي: إنها تحبني، وإننا سنجتاز هذا الأمر. إنها ليست واقعية على الإطلاق” . فقلت له وأنا مدرك أنى قد قلت أكثر من اللازم: ” انظر، قبل أن تقوم بأذى شيء خطير جداً، عد أولاً إلى المنزل وتحدث مع أبنائك” . فقال: ” ولكنهم مجرد أطفال” . فقلت: ” وهذه هي النقطة المهمة” . ” حسنا” لقد ألقى إلى بهذه الكلمة تقريباً وهو ينظر لي من خلف ظهره. لم يكن رجلاً سعيداً وهو يغادر محل البقالة في ذلك اليوم. وبعد عدة أيام من لقائنا في محل البقالة، دلف الرجل إلى مقهى ستاربكس حيث أعمل في إعداد القهوة للسنوات الخمس الأخيرة، ولم يطلب الرجل مشروباً؛ فقد كان آتيا للقائي. وكنت أنا وقتها مشغولاً في إخراج القمامة، فاستوقفني عندما خرجت من المقهى، ولم أستطع التعرف عليه تقريباً، فقد كان ذقنه حليقاً وشعره مصففاً. قال لي وهو يعانقني بلطف على الرغم من أنني كنت أحمل حقيبة مليئة بطحين البن الرطب: ” شكراً” . اندهشت قليلاً وهو يطوقني بذراعه. وقال: ” متأسف! لقد أردت فقط أن أمر بك وأراك قبل أن أرحل. إنني مضطر إلى الذهاب إلى برونكسفيل. لم يعد بإمكاني تسديد مبلغ الرهن العقاري الخاص بمنزلي، ولكنني لن أترك الحياة أو أترك أسرتي!” . فقلت له: ” حسناً” . قال: ” لقد كان رد فعل أبنائي رائعاً، كما توقعت أنت بالضبط. إنهم يعتبرون الأمر برمته -الانتقال وكل شيء -مغامرة رائعة” . وهز رأسه مبتسماً. إن كل من قرأ كتابي يأتي إلىّ ليراني ويستمتع بقدح القهوة باللبن، ويحكي لي قصته، ولقد استمعت أيضاً لكثيرين من خلال البريد والبريد الإلكتروني والهاتف. لقد اندهشت من مدى تأثير قصة حياتي على الكثير من الأشخاص من جميع أنحاء العالم. لقد أخبرني الكثير من الأشخاص أنهم تحفزوا بسبب قصتي وكيف أنني أثبت بطلان ما يسمى بالحلم الأمريكي، فلقد انحدرت من قمة الثراء إلى قاع الفقر ” على نحو مفجع” فقط لأكتشف أنني أكثر سعادة من أي وقت مضى من حياتي، مما فاجأني بشدة. لقد ساعدت قصتي هؤلاء الأشخاص على أن يعثروا على حياة يحبون أن يحيوها. وفي اليوم التالي، أتتني امرأة تبلغ الثامنة والعشرين من العمر في المقهى، وبادرتني قائلة: ” لقد حفزني كتابك بشدة إلى درجة أنني استقلت من وظيفة مملة بشكل قاتل، وبت الآن أقوم بشيء أحبه”. وقد أوضحت لي أنها حازت على وظيفة في بنك استثماري، وذلك عقب تخرجها مباشرة. وكانت تلك الوظيفة تدر عليها مالاً وفيراً، إلا أنها لا تتيح فرصة للتطور، ولقد وجدت أنها أكثر سعادة ورضاء في عملها في مؤسسة غير ربحية متخصصة في تعليم أطفال المدينة. إن أشعر بالامتنان والفخر لأن قصة حياتي -المليئة بالصراعات المؤلمة -قد حفزت أشخاصاً آخرين مثل هذه المرأة لإنقاذ حياتهم. إن بإمكانك معرفة الكثير عن نفسك من خلال الاستماع إلى صراعات شخص آخر. وفي أغلب الأحيان، تجعلك الأخطاء التي وقع فيها شخص آخر والدروس التي تعلمها نتيجة لذلك تتجنب الوقوع في نفس الأخطاء، كما تجعلك تستوعب دروس الحياة النقدية المستفادة وتستخدمها لتدلك على السبيل لتحيا حياة أفضل. مضاد للمشكلات ! عندما كنت مديراً تنفيذياً متغطرساً صغيراً في السن -معتقداً أنني مضاد للمشكلات -لم يكن بمقدوري أن أستمع إلى مشكلات الآخرين بجدية على الإطلاق. وظللت على ذلك الحال إلى أن وقعت في مشكلة أكبر مما كان بإمكاني تخيله. وحتى ذلك الوقت لم أكن أعرف مدى أهمية الاستماع إلى الآخرين. خذ وقتك في الاستماع إلى مشكلات الآخرين وإدراك ما مروا به. مثلما استمعت إلى رفيقي في محل البقالة، استمع ذلك الرفيق إلى مشكلاتي من خلال قراءة كتابي واستطاع أن يطلب مني المساعدة. وتلك المرأة التي تصغرني بسنوات عديدة، قرأت كتابي واستوعبت الدروس المستفادة من قصة أخطائي. لقد كانت على استعداد لإدراك تجارب شخص آخر، وأتاحت لتلك التجارب توجيه آرائها الخاصة. لقد ساعدتها على تغيير حياتها الشخصية دون أن تدرك هي ذلك. وبهذه الطريقة تعلمت هذه المرأة الشابة درساً من دروس الحياة لم أتعلمه أنا إلا في العقد السادس من عمري.

أضف تعليق

كود امني

تجربة رمز تحقق جديد