اقفز مستعيناً بالإيمان

استفد من هذا الدرس
إنني أعتقد أن هناك طريقاً فريداً للسعادة قد منح لكل منا، طريقاً خاصاًّ بكل شخص، كل ما علينا القيام به هو أن نستمع إلى قلوبنا. توقف الآن. ضع يدك على قلبك أينما كنت، سواء كنت في المنزل أو على متن طائرة أو في القطار. دع العالم الضوضائي يتلاشى قليلاً. أسأل قلبك بلطف:” هل أنا سعيد ؟” . فيستجيب عنك قلبك، وسيكون ذلك هو بداية حديث يمكنه أن ينقذ حياتك. سوف يساعدك قلبك على بناء حياة تمنحك سعادة لم تتخيل يوماً ما أن تشعر بها.


اقفز … مستعيناً بالإيمان
” هناك تيار في نهر الرجال، إذا ما ركبوه وقت الفيضان، قادهم إلى الحظ السعيد” . جلست محشوراً في مقعد صغير داخل طائرة مكتملة العدد. كنت أنا والمرأة التي تجلس بجانبي قد اتفقنا في صمت على أن نتجنب الحديث. كان هذا الاتفاق نوعاً من الصفقات التي تتم في صمت، فقد كان كلانا متعباً. سحبت قبعتي على عيني وكنت قادراً على أن أنام معظم وقت الرحلة. وكان يبدو أنها تقوم بشيء ما على جهاز الكمبيوتر المحمول الخاص بها. وحين هبطت الطائرة في نيويورك، انطلق صوت الطيار قائلاً:” يقولون بأن المطار مكتظ، ويقدرون أن علينا الانتظار حوالي خمس وأربعين دقيقة قبل أن نتمكن من الوصول إلى البوابة الخاصة بنا.
متأسف، ليس هناك ما يمكنني القيام به” . فنظر أحدنا إلى الآخر وقررنا أن نتكلم. فقلت:” ليس الأمر بالمعضلة. فنحن على الأقل لسنا عالقين في الهواء” . فقالت موافقة:” حقاً. فأن تكون عالقاً وأنت على الأرض ليس بأسوأ المشكلات التي تتعرض لها أثناء الطيران” . فضحك كلانا. ثم قالت:” في بعض الأحيان، يكون عدم وجود مشكلات هو أسوأ مشكلة” . أثارت هذه الجملة اهتمامي فقلت لها:” ما الذي تعنينه؟” .
فقالت:” أنا طبيبة نفسية أمارس عملي في منطقة بيفرلي هيلز. وكثير من مرضاي شباب، وهذا جزء من تخصصي، وهو تخصص يتعامل مع تحديات التقدم في السن، ولكن ممارستي أنا تتعامل مع كل تحديات مرحلة النضوج” . فسألتها قائلاً:” وما هذه المشكلات؟” . قالت:” حسناً، بالنسبة للكثير من مرضاي الشباب عدم وجود أية مشكلات في حياتهم هي أكبر مشكلاتهم” . فقلت لها:” لا أفهم” ، ولم أقصد بذلك أن أكون وقحاً ولكنني كنت أتحدث بصراحة. فقالت:” إن الأمر بسيط. فالكثير من المرضى أبناء أشهر المخرجين السينمائيين. فآباؤهم من ذوي الطموح الشديد وهم أناس صعاب المراس. ولكنهم يحمون أبنائهم بشكل زائد. دعني أضرب لك مثلاً؛ هناك رجل ولنطلق عليه ” جوشينك” ، وقد تنشأ في كوينز، بل في الجزء الفقير من كوينز.
كما أن أبويه يعملان، لذا كان عليه أن يذهب إلى المدرسة بمفرده. وعند وصوله إلى الخامسة من عمره أو العاشرة على الأكثر، كان ” جو” يعرف كيف ينجو بنفسه في أخطر الشوارع. كما يمكنه استقلال الحافلات والتجول حول المدينة وإدارة أخطر المواقف. هل أدركت الفكرة؟ ثم يأتي إلى هوليود، ليصنع ثروة تفوق ما كان يتخيله، ويرغب في التأكد من أن أبناءه لن يضطروا يوماً إلى المرور بالأوقات العسيرة التي مر هو بها. لذا يأتي بسائق ليقلهم إلى المدرسة؛ ولا يخرجون أبداً دون بطاقة الائتمان أو الملابس الفخمة ولا يتواجدون في محيطات غير آمنة” . فقلت لها:” فهمت” . وكنت قد فهمت فعلاً. فاستمرت قائلة:” نعم، قد لا يبدو ذلك سيئاً للغاية ولكن النتيجة هي أن جو قد أفزع أبناءه، أو إلى حد ما أخاف أبناءه من العالم الخارجي” . وبينما كانت تتحدث وكانت الطائرة تقترب على مهل تجاه البوابة، أدركت أن هذا ما حدث لي. لقد مُنحت الكثير جداً وحاول أهلي حمايتي بشكل مفرط إلى درجة أنني لم أستطع القيام بشيء وأنا أرى حياتي تنهار أمامي.
اخرج من صندوقك !
لم أستطع أبداً أن أخرج من الصندوق الذي وضعت نفسي داخله، ولم أقفز دون تفكير بشيء من الجنون المتولد عن اليأس. لقد كنت أتقدم للأمام لسنوات آملاً في أنني لو ارتديت حلتي ماركة بروك براذرز وخرجت حاملاً حقيبة أوراقي وهاتفي المحمول كما لو أنني ما زلت مديراً تنفيذياً كبيراً في مجال الدعاية والإعلان، فربما بطريقة ما تتاح لي فرصة أخرى في قمة إحدى كبرى الشركات العالمية. لم أستطع أن أواجه حقيقة أن حياتي المهنية السابقة قد ولت بغير وجعة. لقد كنت سلبياً بشكل غريب في مواجهة تلك التحديات البشعة. وكنت أعرف أنني ينبغي عليَّ أن أتغير، ولكنني لا أتغير أبداً. كانت عادة القيام بكل ما هو مألوف- حتى لو كان يعني الفشل- أقوى من أي جهد لبذل طاقة إضافية من أجل العثور على طريق جديد. يتحدث ” روبرت فروست” في قصيدته Briches عن تجربة مميزة: الحياة تشبه كثيراً الغابة غير المطروقة حيث تلسع وجهك وتدغدغه خيوط العنكبوت التي تتهتك فوقه، وتدمع إحدى عينيك عندما تصطدم بغصين صغير وهي مفتوحة. كان هذا هو ما كنت أشعر به حين جعلت نفسي أستيقظ كل يوم دون أن أتمكن من التوصل إلى كيفية لتغيير الاحتمالات لتكون في صالحي.
لقد ضللت طريقي في الغابة لتغيير الاحتمالات لتكون في صالحي. لقد ضللت طريقي في الغابة دون أن أدري كيف أجد مخرجاً؛ كنت أسقط. وكلما سرت أبعد، بدا لي أنني أعود إلى الخلف. كان الأمر يبدو لي وكأن أحداث حياتي تسير بالتصوير البطيء. وكان يأسي يرهقني، وكانت قدماي تتحركان وكأنهما عالقتان في الرمال المتحركة، كنت أغوص فيها دون أن أعرف كيف أخرج. لقد كنت خائفاً من التحرك بسرعة أو المقاومة باجتهاد خشية الغرق. الآن وأنا أعود بتفكيري إلى الوراء إلى سلوكي السلبي الغريب عند مواجهة تلك الأزمة الشخصية والمهنية، أعتقد أن ذلك الأمر يتعلق بتجربتي المبكرة حين كنت معرضاً باستمرار إلى مضايقات الآخرين وأنا طفل صغير. حين كنت في الخامسة من عمري، انتقلنا إلى برونكسفيل، ونظراً إلى أنني كنت جديداً على الحي، جذبت انتباه طفل متنمر، كان يهاجمني كل يوم بينما أسلك طريقي إلى المدرسة. كان يضربني ويدفعني إلى الأرض، ويدفع وجهي في الجليد البارد حتى لا أستطيع التنفس، وكنت أظل ساكناً بقدر استطاعتي. فقد ظننت أنني إذا ما ظللت ساكناً ولم أفعل شيئاً، فإن الألم ستويقف- في النهاية- على الرغم من أن كل ثانية كانت تمر كأنها ساعة.
وبعد بضع دقائق مخيفة من التعذيب كان يدعني، فكنت أنهض، وأمسح دموعي، وأعدل كلابسي، وألتقط كتبي- التي يغطيها حينئذٍ الثلج- وأذهب إلى المدرسة. ولم أكن أخبر أحداً بهذه اللقاءات اليومية المرعبة مع الطفل المتنمر. كنت أشعر بالحرج؛ فقد كنت أظن أنه خطئي. فيما بعد كنت أتعامل مع الأشخاص المتنمرين في العمل بنفس الطريقة. فكنت، إذا ما صرخ أحد العملاء من شركة فورد في أثناء الاجتماع، أظل هادئاً وساكناً، وأحاول ان أدع العاصفة تمر، وكان ذلك ينجح في كثير من الأحيان، ولكن على حساب كبت مشاعري الحقيقية. أشعر الآن بأن عادتي القديمة في التعامل مع العدائية وكبت مشاعري الحقيقية قد صعّبت عليَّ إدراك ما ينبغي عليَّ القيام به حين تحل بي أزمة شخصية.
كان جيداً أن أكون سلبياً حين يكون كل شيء على ما يرام. وحين ساءت الأمور وتم فصلي من العمل واضطررت إلى أن أكون وحدي وأن أحاول إعادة بناء نفسي. وجدت أنني عالق في نموذجي السلبي القديم نفسه- خائف من التغير وحتى من الشكوى. وحين ظهرت في البرنامج التليفزيوني الذي يقدمه ” دوني دويتش” للتحدث عن كتابي How Starbucks Saved My Life ، لخص ” دويتش ” كل كفاحاتي بهذا السطر المميز:” أنت لم تعرف ما عليك أن تفعل لأنك مُنحت كل شيء طوال حياتك” . لقد كان على حق. فنظراً إلى أنني قد مُنحت كل شيء، لم أعرف كيف أحصل على أهم الأشياء بالنسبة لي. وعندما أفكر في ذلك الأمر، أجد أن هذه الحالة ليست قاصرة عليَّ. فالعديد من أصدقائي الذين نشأوا في أوساط ثرية قد عاشوا حياة غير هادفة نسبياً فقط لأنهم لم يكونوا يوماً ما مجبرين على الخروج إلى الحياة لاقتناص أفضل شيء بالنسبة لهم.
أتذكر ” هانسون ويثريدج” ، الذي كان من عائلة قديمة من إقليم نيوإينجلاند، والذي كان والده متزوجاً من وريثة لثورة نفطية كبيرة. وكانت أول مرة رأيته فيها في الشارع في نيوهافن. في تلك الأيام- في الستينات من القرن العشرين- كانت نيو هافن مدينة فقيرة إلى حد ما. ومع ذلك كان ” هانسون” متألقاً آنذاك، فقد كان يرتدي سترة زرقاء ساطعة من الكاشمير وكان يقف إلى جانب سيارة بورش فضية براقة. لقد كان شاباً يبدو أنه حصل على كل شيء يرغب فيه. ولكن بينما كان يحصل على كل شيء، فإنه لم يكن مجبراً أبداً على أن يتمعن فيما يرغب فيه قلبه بحق ويقفز ليحصل عليه.
لم أنس أبداً صورته وهو يقف إلى جانب سيارته في نيو هافن. في النهاية، جرب ” هانسون” التقاط الصور، وفي وقت ما من حياته، قرر أن يعمل كمصور محترف. وذات مرة، أتي ” هانسون” لي، وكان يعرف أنني باعتباري مدير تصميم فني، يمكنني تكليف المصورين لمهام مختلفة، وقد سمع أيضاً أنني في ذلك الوقت كنت أعمل مع المصور الشهير ” ريتشارد أفيدون” في حملة إعلانية لمؤسسة كريستيان ديور، وقد لاقت الحملة استحساناً كبيراً لدى المشاهدين. لقد كنت سعيداً برؤية ” هانسون” على الرغم من أن علامات التقدم في السن قد بدت عليه بصورة سيئة، كان يبدو وهو في الثلاثينات من عمره وكأنه في الخمسينات. لقد سقط معظم شعره، وظهرت الكثير من التجاعيد في وجهه ( وأعتقد أن هذا يرجع إلى التدخين الشره)، مما حوله من شاب وسيم إلى شخص ذي وجه عجوز قبل أوانه.
لقد أخذ يدخن دون توقف طوال جلوسه في مكتبي. ثم أخرج بضع صور كان قد التقطها، لم أستطع أن أحدد ما إذا كانت تلك الصور جيدة أم لا، لذا رتبت له موعداً مع المدير الفني الخاص بحساب شركة فورد. في ذلك الحين كانت شركة فورد تفكر بإطلاق حملة إعلانية بعرض صور رائعة لسياراتها في أكثر الأماكن شهرة في أمريكا: ميدان تايمز سكوير، كوبري جولدن جيت، وما إلى ذلك، وفكرت أنه قد يتم تعيين ” هانسون” للمساعدة. وقد رأى ” جيري لينكينس” ، أحد أفضل المديرين الفنيين في الشركة، مجموعة مختارة من الصور التي أحضرها” هانسون” ، وأخبرني قائلاً: ” إن مستواه ليس سيئاً. لقد أخبرته أن يلتقط بعض الصور لأشهر معالم نيويورك ثم يعود إليَّ” .
مرت الأسابيع ولم يعد ” هانسون” . شخص آخر غيره، لا يعتمد على مثل هذه الثروة الشخصية الضخمة، كان في اليوم التالي سيلتقط الصور، ثم سيعود بعد بضعة أيام على الأقل بملف كامل من الصور. كان من الممكن أن تكون هذه هي أعظم فرصة ل ” هانسون” ، ولكنه لم يكن من ذلك النمط. لقد حصل-إلى حد ما- على الكثير جداً، مثله في ذلك مثلي، إلى درجة أنه لم يعرف حقاً كيفية التصرف حين أتيحت له فرصة جديدة. قد تكون كثرة المال أمراً خطيراً ومزعجاً تماماً مثل ندرته. ولهذه الأسباب- وهي عادتي المتأصلة للتصرف بسلبية أمام الأشخاص المتنمرين، وافتقاري إلى ذكاء الشارع الذي يملي عليَّ كيفية التصرف حين أرى الواقع- كان من الصعب جداً عليَّ أن أتقدم إلى الأمام. لقد كنت عالقاً ولا أعرف ما الذي عليَّ القيام به. عندما شعرت بأن حياتي قد انتهت، عدت إلى الحي القديم الذي نشأت فيه، محاولاً استرجاع بعض من المشاعر الإيجابية التي كانت تراودني باعتباري ابناً مفضلاً. لم تكن الشمس ساطعة في ذلك اليوم، وكنت أشعر بالمزيد من الإحباط حينما تذكرت مدى سقوطي من بدايتي المبكرة على قمة الحلم الأمريكي. ولكنني لاحظت وجود مقهى ستاربكس ساطع الإضاءة في جو يوم قاتم من شهر مارس. ونظراً إلى أنني أحب القهوة، قررت أن أدخل لتناول القهوة باللبن.
وبالمصادفة البحتة يأتي المديرون من جميع أنحاء نيويورك لتعيين موظفين في متاجرهم. أخذت قدح القهوة باللبن الخاص بي، وتصادف أن جلست إلى جانب امرأة شابة أمريكية من أصول أفريقية، وكانت مديرة وتحتاج إلى تعيين شخص ما. كانت المرأة تدعى ” كريستال” ، وقد عرفت لاحقاً أنها لم تنشأ وسط أي من الامتيازات التي كنت أعتبرها أنا من المسلمات. لقد ولدت في أسرة فقيرة فقراً مدقعاً. وقد ماتت أمها إثر تناول جرعة زائدة من المخدرات وكانت ” كريستال” حينها في الخامسة عشرة من عمرها. وبعدها، أُرسلت لتعيش مع خالة لها لم تكن تحبها. لقد شقت” كريستال” طريقها وسط بيئة صعبة وعرفت كيف تنجح في العالم الواقعي بشكل لم أتصوره أبداً. استدارت ” كريستال” تجاهي. وقالت:” هل ترغب في الحصول على وظيفة؟” .
فأجبت قائلاً دون تفكير:” نعم!” . في تلك اللحظة، كانت تلك الكلمة الصغيرة في هذا المكان الكبير هي مفتاح تغيير حياتي كلها. لقد وصلت حياتي إلى حالة من الهبوط المستمر، ولم أكن لأخرج أبداً من الصندوق الذي كنت أعيش فيه إن لم أقفز تجاه عرضها ” اللاعقلاني” هذا. إن القفز إلى الأمام بثقة بدلاً من الانكماش في خوف كان ضرورياً لتغيير حياتي. لم أتخيل أبداً في حياتي أنني سأكون تواقاً إلى أن استبدل بحلتي ماركة بروكس براذرز ثوان بطريقة ” عقلانية” ، كنت قد رفضت عرض ” كريستال” .
ولكنني لم أفكر في الإجابة بعقلي، وإنما أجبت بالحقيقة، من قلبي. بموافقتي على ذلك العرض، أصبحت قادراً على بدء حياة جديدة أسعد. كان عليَّ التخلي عن التفكير في كيف سأتمكن من أن أكون شخصاً كبير الشأن في مجال الدعاية والإعلان مرة أخرى. لقد أدركت الآن فقط بعدما فقدت ما يكفي لأن أتحرر من الماضي- فقدت كل شيء في الواقع – أنني استطعت أن أتقدم إلى المستقبل. كما أن ” كريستال” لم تكن لتتمكن من التقدم لإنقاذ حياتي إذا ظللت منكمشاً في خوف. إذا عبست في وجهها وهززت رأسي قائلاً :” لا!” ونبذت عرضها في غطرسة كما لو أنه أقل من شعوري العظيم بمنزلتي العالية، لظللت الآن حبيس صندوقي التعس، منحدراً بسرعة دون أن أعرف ما عليَّ القيام به. كان عليَّ هجر خوفي وعادة التصرف بسلبية أمام الأحداث السيئة. كان عليَّ الانتقال من قبول كل ما مُنح لي إلى الرغبة في التقدم في سبيل الحصول- بنفسي- على شيء. كان عليَّ التواصل مع مشاعري الحقيقة بدلاً من أن أدع عقلي يهزم شعوري. لقد أخبرني بعض الأشخاص أنهم قد تعلموا حكمة من قصتي وهي أن المرء لا يمكنه التفكير في كيفية الخروج من الصندوق الذي يحتبس نفسه في داخله. (ونحن جميعاً نعلق في صناديق منيعة في كل سن ومرحلة من حياتنا). فللخروج من موقف يقيدك ولا يمكن الاستمرار فيه، عليك أن تقفز، مقتنصاً أيه فرصة للتقدم نحو عالم جديد تماماً، وعليك أن تقفز واثقاً في أنك ستهبط على قدميك. فحين تقفز بثقة- بدلاً من الانكماش والانزواء في خوف متراخياً وعاجزاً بفعل خوفك- يستطيع الآخرون كذلك التقدم إلى الأمام لمساعدتك في رحلتك.
تمثل قصتي هذه دليلاً لا يدحض على أن التحرك إلى الأمام خير من عدم التحرك. لقد اكتشفت أن أية وظيفة- تقريباً- خير من عدم وجود وظيفة على الإطلاق. بمجرد حصولي على وظيفتي في مقهى ستاربكس، بدأت حياتي بأكلمها تتحلى بثوب جديد من الإثارة والحيوية. إن هذه الوظيفة التي حصلت عليها كانت مشبعة على نحو خاص، حيث كنت أشعر بالتحدي على نحو منعش- كل يوم- في مواجهة مواقف جديدة عليَّ تماماً. فالقيام بأي شيء جديد للمرة الأولى يشبه -في الغالب- المجيء إلى الحياة من جديد. هل تذكر أول يوم لك في المدرسة؟ أو هل تذكر أول يوم لك في أول وظيفة حصلت عليها؟ إننا نستجيب للتجارب من هذا النوع بتدفق الأدرينالين الذي يمكنه أن يطرد الخوف البالي وكأنه نسمة هواء منعشة. في مارس الماضي دعيت إلى التحدث في أول معرض كتاب في مدينة توكسون.
وكم كانت لمحة مشجعة في تلك الأوقات العصيبة أن أرى المدن المختلفة تنجح في المناسبات الاجتماعية المثيرة التي تحتفل بالقراءة. وكان هناك أناس كثيرون في هذا الحدث، والكثيرون أتوا لي ليخبروني بقصص حول كيفية قفزهم نحو حياة جديدة وكيف أنهم أصبحوا أكثر سعادة من أي وقت مضى. وبعد المحاضرة، أقلتني امرأة شابة من بين المتطوعين (في معظم معارض الكتاب، يكون المتطوعون ضروريين لحدوث هذا الحدث) إلى المطار.
قالت لي المرأة: ” لقد فررت من حياتي في ديترويت، وانتقلت حديثاً إلى توكسون. لقد كان زوجي رجلاً طيباً إلا أنه يعاني من مشكلة نفسية؛ كما أنه كان يضربني. وقد تناقشنا حول مسألة إنجاب الأطفال، ولكن خطر ببالي فجأة: كيف سأكون قدوة لأبنائي إذا استمررت مع رجل يسيء معاملتي؟ لذا قررت أن أتركه” . واستطردت قائلة: ” لم أكن أعرف أي شخص هنا ولكنني حصلت على وظيفة في ماكدونالدز. والآن أدير المطعم الذي أعمل فيه. هل تعرف؟ إن الناس يضحكون حين أخبرهم بأنني أكثر سعادة وأنا أدير مطعم ماكدونالدز وأعيش هنا في توكسون مما لو عدت إلى موطني في الشمال” . واقترب مني زوجان آخران بينما كنت أوقع على كتبي. أخبراني قائلين: شكراً على قصتك. لقد فقدنا منزلنا في إعصار كاترينا وقررنا أن نفر إلى مكان ما -تماماً مثلما ذكرت في كتابك. ولم نفكر كثيراً في الانتقال -لقد انتقلنا وحسب، وجثنا إلى هنا –ونحن سعيدان جداً بأننا فعلنا ذلك!” .
وفي ذات اليوم، أخبرتني سيدة قائلة: ” لقد كنت موظفة متغطرسة في إحدى شركات مدينة وادي سليكون، فسئمت ذلك الذي كنت أشعر به، لذا انتقلت إلى هنا والآن أعمل كمتطوعة في المستشفى المحلي. إن مساعدة المرضى أكثر إرضاء من محاولة دفع المبرمجين إلى إنجاز عملهم في الوقت المحدد!” . إن العديد من الأشخاص -اليوم- مجبرون على القفز دون تفكير، وهو أمر مخيف. ولكن الأكثر روعة وإثارة للدهشة أن الكثير يجدون أن حياتهم الجديدة تجلب لهم شعوراً بالرضا لم يتوقعوه أبداً. لقد وجدنا أن الحصول على وظيفة تقوم على استخدام طاقتك لخدمة الآخرين بدلاً من الشعور بالقلق إزاء نفسك هو نوع خاص من العلاج المميز عند مواجهة الأوقات العصيبة. إذا قفزت إلى الأمام بثقة فسوف تجد الكثير من الأشخاص الصالحين -مثل ” كريستال” بالنسبة لي- التواقين إلى الإمساك بك وتقديم يد العون لك.

أضف تعليق

كود امني

تجربة رمز تحقق جديد