التفكير والأمل السائد

(2) التفكير السائد يقدم أملاً زائفاً
يروي بينو مولرهيلوهو أستاذ بقسم علم الوراثة بجامعة كولونيا كيف أنه في صبيحة أحد الأيام عندم كان لا يزال طالباً في المدرسة الثانوية، وقف في نهاية صف مكون من أربعين طالباً في فناء المدرسة حيث نصب مدرس الفيزياء تليسكوباص كي يرى التلاميذ من خلاله أحد الكواكب والأقمار التابعة له. خطأ أول طالب نحو التليسكوب وحدق به، لكن عندما سأله المعلم هل رأى شيئاً، أجاب الطالب بالنفي، لأن إصابته بقصر النظر أعاقت رؤيته، فأوضح له المدرس كيف يضبط التركيز، وأخيراً قال الطالب إنه استطاع أن يرى الكوكب وأقماره. وبعدها تقدم بقية الطلاب واحداً تلو الآخر نحو التليسكوب وقالوا ما رأوه.

وأخيراً حان دور الطالب قبل الأخير، ونظر عبر التليسكوب ثم أعلن أنه لا يستطيع أن يرى أي شيء البتة. فصاح فيه المعلم: " أيها الأحمق! لابد أن تضبط العدسات." حاول الطالب دون طائل، وقال في آخر المطاف:" ما زلت لا أستطيع أن أرى أي شيء البتة، لا أرى سوى ظلام تام." تأفف المعلم ثم نظر في التليسكوب بنفسه، وعندئذ رفع رأسه وعلى وجهه أمارات الدهشة الشديدة؛ إذ كان غطاء عدسة التليسكوب لا يزال في مكانه، وما كان بمقدور أي من الطلاب أن يرى أي شيء! كثيرون من الناس يبحثون عن الأمان والسلامة في اتباع النمط السائد من التفكير و؛ إذ يظنون أنه ما دام هناك الكثير من الناس يفعلون شيئاً ما، فىبد إذن أنه صحيح، ولابد أنه فكرة سديدة. وطالما أم معظم الناس
يقبلونه، فربما يمثل هذا الشيء النزاهة، والمساواة، والشفقة، والرحمة، أليس كذلك؟ ليس بالضرورة كذلك. أفاد التفكير السائد بأن الأرض كانت مركز الكون، لكن كوبرنيكوس درس النجوم والكواكب وأثبت بالحسابات أن الأرض وغيرها من الكواكب في نظامنا الشمسي تدور حول الشمس. أفاد التفكير السائد بأن العمليات الجراحية لا تحتاج إلى أدوات نظيفة، لكن جوزيف ليستر درس أسباب ارتفاع معدل الوفيات في المستشفيات واستحدث وسائل للتعقيم أنقذت حياة الكثيرين على الفور. أفاد التفكير السائد بأنه لا ينبغي أن تتمتع المرأة بحص التصويت، ومع ذلك حاربت بعض النساء أمثال إيملين بانكهورست وسوزان بي أنتوني من أجل هذا الحق إلى أن اكتسبنه. إن نمط التفكير السائد هو من منح النازيين مقاليد السلطة، ومع ذلك اغتال نظام هتلر الملايين وكاد أن يدمر أوروبا بأكملها. لابد أن نتذكر دائماً أنه شتان بين القبول الأعمى والقبول بذكاء. قد يقول الناس إن الأمان يكمن في اتباع الأغلبية، لكن هذا ليس صحيحاً على الدوام. أحياناً يتضح لنا على نحو مؤلم أن نمط التفكير السائد ليس جيداً وصحيحاً؛ وفي أحيان أخرى لا يكون هذا واضحاً تماماً. على سبيل المثال: انظر إلى الأعداد الهائلة من الناس في الولايات المتحدة الذين استدانوا مبالغ هائلة بواسطة بطاقاتهم الائتمانية. أي شخص حذق في الأمور المالية سوف يخبرك أنها فكرة سيئة، ومع ذلك ملايين الناس يتبعون دون ترو التفكير السائد الذي مفاده أن تشتري الآن وتدفع في وقت لاحق، وعليه تتراكم عليك مبالغ كبيرة. كثير من وعود التفكير السائد تبدو جوفاء، فلا تقع فريسة لها.