المثالية والسعي وراء الكمال

المثالية الصغيرة
كيف يصل الناس إلى أن يكون همهم السعي وراء الكمال؟ يولد بعض الأطفال وفي جيناتهم ميل طبيعي إلى المثالية والسعي وراء الكمال. ولكن الشائع أن هذا الأمر نتاج تأثير الآباء. فالأطفال يتعلمون بسرعة- سواء بشكل مباشر أو غير مباشر- أنهم ليسا جيدين بما يكفي:
كان الطيب أن تحصل على درجة جيد جداً في الامتحان، ولكن لو حصلت على امتياز على امتياز لكان ذلك افضل.

لقد قمت بعمل طيب بتنظيف حجرتك، ولكن في المرة القادمة، ضعي الأشياء بشكل أكثر ترتيباً.
يفهم الأطفال من مثل هذه الرسائل أن قيمتهم تعتمد على ما يحققونه وعلى استحسان الآخرين لإنجازاتهم. فالأطفال لآباء يميلون إلى النقد يشعرون أن القيمة والحب تكمن في أن يكونوا مثاليين في نظر آبائهم.
ويتولد لدى هؤلاء الأطفال مع مرور الوقت اعتقاد بأن الكمال هو الوسيلة الوحيدة لنيل الحب. وحتى عندما يكبرون ويستغنون عن الرغبة في إرضاء الأب والأم بشكل مباشر، تترسخ الرغبة في الكمال في نفوسهم. إنهم- ولو بشكل غير مباشر- لازالوا يسعون بالطبع إلى إثبات ذواتهم أمام آبائهم.
أما العامل الآخر فهو النشأة الفوضوية. قد يؤدي ما يشهده الأطفال من حولهم من مشاكل إدمان الخمر، أو الطلاق، أو الاعتداء، أو التنقل المستمر من مكان لآخر، أو الأمراض المزمنة إلى بحثهم عن وسيلة يستعيدون بها السيطرة على حياتهم، فيقومون بذلك عن طريق الظهور بمظهر حسن، والعمل على أن تكون حياتهم مرتبة ومنظمة، أو عن طريق تحقيق إنجازات ضخمة لكي يتكيفوا مع ما حولهم من فوضى. ومرة أخرى، يترسخ فيهم ذلك عندما يكبرون حتى لو لم يعودوا يعانون من الفوضى في حياتهم.
الفخان المثاليان
قد يكون بحثك عن الكمال موجهاً لذاتك، أو موجهاً للآخرين، أو الأمرين معاً. ويظهر النوع الأول- المثالية الموجهة للداخل- حينما تكون المرأة قاسية على نفسها، ساعية إلى تحقيق أهداف غير واقعية. وتخشى ارتكاب الأخطاء، وتعتبر الفشل مرآة لقيمتها. تعتبر أن الفشل إثبات لعدم الكفاءة. ويصعب عليها أن تسهل الأمور على نفسها لأنها تجعل من الفشل أمراً داخلياً. فالسعي وراء الكمال الموجه للذات نوع من رفض الذات.
كما يمكن للباحثات عن الكمال أن يفرضن معايير مبالغاً فيها على الآخرين. وحينما يحدث هذا، تتأثر العلاقات لأنهن يعتبرن من حولهن مخيباً لآمالهن ويغضبن لعدم قدرة الآخرين على الوفاء بمتطلباتهن. إن الرغبة في أن يبذل الآخرون قصارى جهدهم أمر يختلف تماماً عن توقع الكمال منهم؛ فهذا يجهزهم الفشل.
الرؤية من خلال منظار معظم
حينما تنظري من خلال منظار معظم ترين كل شيء بحجم يفوق بكثير حجمه الطبيعي. وكذلك الباحثات عن الكمال يعظمن من حجم قصورهن وأخطائهن، ويركزن على جانب سلبي واحد من النتيجة، ويتجاهلن ثلاثين جانباً إيجابياً. وحينما تقللين من حجم ما هو إيجابي، فأنت كمن تنظر من خلال الجانب الآخر من المنظار؛ الجانب الخطأ. فيتضاءل حجم العناصر الإيجابية لدرجة تبدو معها بلا قيمة.
حققت ديبي لشركتها إنجازاً عظيماً بفوزها بأكبر صفقة مبيعات خلال هذا العام. كان الجميع يهنئونها، بينما انشغل تفكيرها بخطأ وحيد هو أنها نسيت أن تذكر عقد الضمان الجديد. تجاهلت عظمة إنجازها والتقدير الذي استحقت الحصول عليه، بالرغم من أن خطأها هذا لم يكن له تأثير على إنجازها. لم يقبل عقلها بالإنجاز الذي حققته.
أوهام مثالية
فكرة المثالية والكمال فكرة شائعة هذه الأيام. لا عجب أن العديد من النساء الموظفات غير سعيدات. فيبدو من الخارج أن لديهن كل شيء: النجاح، ومستوى المعيشة الرفيع، والمظهر الرائع. على أن الأمر يختلف تماماً في مكنون أنفسهن. فهن يائسات غاضبات تعيسات، يبحث بلا طائل عن راحة البال والرضا. إن الكفاح من أجل الكمال طوال الوقت أمر مرهق للغاية. تقول” باربرا سترايسند” ، وهي باحثة شهيرة عن الكمال: ” إن الإصرار على الكمال وسيلة باردة تعيشي بها حياتك. فالقصور طبع البشر والإنسانية” .
إذا كنت قد سقطت أسيرة هذا الفخ، فهوني الأمور على نفسك وعلى غيرك ممن تحبين. فالوصول إلى حد الكمال وهم كبير.
كانت ميليسيا تبالغ في العناية بما ترتديه والتأكد من كل التفاصيل الصغيرة. حتى إنها كانت تبدو كل صباح عند الوصول إلى مقر عملها كعارضة أزياء. كانت تواجه بالحسد من زميلاتها بالعمل. فكيف لها أن تفعل ذلك كل يوم؟ إنها أم لثلاثة أولاد لم يتعدَ أكبرهم سن الثامنة بعد، ومازالت قادرة على أن تظهر بشكل رائع.
وذات يوم، وخلال اجتماع مهم للإدارة، كانت ميليسا تقوم بالعرض أمام لوحه الاجتماعات، وحينما استدارت لتعرض شرائح بوربوينت على الشاشة، ركز الجميع على شريط التثبيت المدفون في رأسها. جميعنا أحب ميلسيا أكثر بعض الشيء ذلك اليوم!
وهم الكمال يسلبنا الاحترام. الحقيقة المؤلمة هي أننا كباحثات عن الكمال ربما كنا نتحكم في مشاعرهم عدم الكفاءة، ولكن البقاء معا ليس متعة. فكري في من على شاكلة ميلسيا التي ميليسا التي تبالغ في الاعتناء بشعرها وملبسها، وتقوم بكل شيء على الوجه الأكمل، ما شعورك وأنت إلي جوارها؟ نعم، بالضبط، ليس ممتعاً بشدة.
إن أفضل سؤال تواجهين به الباحث عن الكمال هو: ” ما أثر ذلك على حياتكن؟” . فلو صنفنا السعي وراء الكمال على أنه اضطراب عاطفي، فأنا أعتقد أن نساء عديدات سيبحثن عمن يعاونهن على التحرر من قبضته الهدامة.

أضف تعليق

كود امني

تجربة رمز تحقق جديد